روائع مدينة الاحلام

السبت، 25 أكتوبر 2014

التصنيف:

أيها الأب: ثلاث قواعد للنجاح



خالد رُوشه

تتكاثر النصائح للآباء وأولياء الأمور للتأثير الإيجابي على أبنائهم، وللنجاح معهم في سبيل حياتهم، ولإحسان دورهم المنوط بهم، وغالب تلك النصائح حسن، إلا أن نصائح التطبيق العملي هي الأوفر حظا في احتمالات النجاح، ويمثل الأب مرجعية نفسية كبيرة للأبناء عبر مختلف أعمارهم، كما يمثل قيمة أمن وحماية ومسؤولية رعاية، ومهما بدا على بعض الشباب محاولات للاستغناء عن آبائهم أو مخالفتهم في اسليبهم وطرق تفكيرهم، فإن هناك عاملًا مشتركًا مؤثرًا موجودًا في دواخلهم النفسية يبقى ممكنًا للاسفادة به في محاولات التواصل معهم..

ولأهمية عنصر القدوة في حياة الناس ولكون الإنسان بطبيعته يحتاج إلى نموذج تطبيقي حي أمامه حتى يتصور الخلق المعين والسلوك الموجه فيصدق به ويتمثله في حياته، أرسل الله تعالى المرسلين وأمرنا بالاقتداء بهم فقال سبحانه {أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:90] وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنى لمن كان يرجو الله واليوم الآخر..


إن الفعل أبلغ من القول، وفعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، فالقول والعمل أهم من القول المجرد.. وكثير من يتكلم ولكن قليل من يفعل.
إن القدوة الصالحة من أعظم المعينات على تكوين العادات الطيبة حتى إنها لتيسر معظم الجهد في كثير من الحالات ذلك أن الابن يحب المحاكاة من تلقاء نفسه وأطفال المسلمين يحاكون أبويهم في الصلاة حتى قبل أن يتعلموا النطق ويصبح تعويدهم عليها أمرًا سهلًا في الموعد المحدد.

ولعل من بركة توجيهاته صلى الله عليه وسلم لصلاة النوافل في البيوت وألا  يجعلها الناس قبورًا فضل كبير الأثر في إقتداء الأولاد بذلك فقد روى أبو داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «خير صلاة الرجل فى بيته إلا الصلاة المكتوبة» وقال «تطوع الرجل في بيته يزيد عن تطوعه عند الناس كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده»  (صحيح الجامع).
والأبناء في استقائهم الخلق وتشربهم بالسلوك لا يقنعون بالظاهر منها فحسب بل يتعدون ذلك إلى مستويات أعمق بكثير مما يظن الآباء..

فالأب يعيش في بيته على طبيعته بغير تكلف وهو الأمر الذي يجعله يتصرف بما وقر في حقيقته وداخليته والولد يقلد أباه فيما رآه منه على الحقيقة لا على التكلف والأبناء يلحظون الصغير الدقيق من السلوك والأخلاق كما يلحظون كبيرها وتؤثر فيهم صغائر الأحوال كما تؤثر فيهم كبائر الوقائع.
كذا فإن الأب الناجح هو الأب الرحيم العطوف بأبنائه وأسرته الذي يمنحهم الحب والعطف والحنان ويشملهم برعايته ويحتويهم بقلبه الكبير ويشعرون معه بالسعادة والآمان.

والأب القاسي هو المتسبب الأول في الأمراض النفسية لدى أبنائه والمشجع الأول على الأمراض القلبية لهم من غل وحقد وحسد وحب ذات وغيره.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خير قدوة فى رحمته وعطفه وملاطفته الصغار وملاعبتهم والتبسط معهم والتحبب إليهم وعدم العبوس في وجوههم، فقد روى مسلم عن عبد الله بن جعفر: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى يدخلنا المدينة".

وروى ابن ماجه عن يعلى بن مرة "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ودعينا إلى طعام فإذا حسين يفر ههنا وههنا ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبله". وروى الشيخان قول النبي صلى الله عليه وسلم «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه».

ومن الآباء من لا يراعى الرحمة مع أبنائه ولا الرقة في معاملتهم فيكون أشد عليهم من الغرباء فيترك في أنفسهم جروحًا غائرة لا تزول ولا بمرور السنين.
روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحسن وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع إن عندي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم «منْ لا يَرحمْ لا يُرحمْ» (الجامع الصغير) وقد قال الله سبحانه {فَبِمَا رَ‌حْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159].

قاعدة ثالثة لك أيها الأب لا أحسبك في استغناء عنها.. فقد روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «إن الله يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف وما لا يعطى على سواه».

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق» (صحيح الجامع).

ولكن ليس معنى الرفق والحب والرحمة أن يتهاون الأب مع أولاده في مواطن الحزم فوضع السيف موضع الندى مضر كوضع الندى موضع السيف، والحكمة فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، ولا يمكن أن يرى الأب ابنه يفعل السيئات أو المخالفات وبدعوى الحكمة والرحمة والرفق يتركه أو يقره على ما هو عليه، ولكن الحزم والحكمة تستدعي من كل أب أن يقف مع ولده وقفة حازمة قوية يضع له فيها الحدود ويبين له القواعد التي ينبغي ألا يحيد عنها وليعلم كل أبد أن وقفاته مع ولده لا تنسى ولكنها تحفر في ذهن الولد فإن وجد فيما يستقبل من عمره قدوة صالحة من أبيه زاد ترسخها وصارت خلقًا ثابتًا فيه وصفة أكيدة من صفاته..




0 التعليقات:

إرسال تعليق